روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

49

عرائس البيان في حقائق القرآن

إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ « 1 » أي : آثرتم تمثال الشيطان على مشاهدة الرحمن . وأيضا جهلتم صنع الخالق من صنع المخلوق . وقيل : فيه عجل كل إنسان نفسه ، فمن أسقطه وخالف مراده هواه ، فقد بري من ظلمه . فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي : فارجعوا عن رؤية مواهبه إلى معرفة نفسه ، واقتلوا أنفسكم بسيوف همومكم ؛ حتى لا يزاحمكم في قربه بربكم . وأيضا توبوا من رؤية توبتكم عليكم ، واقتلوا أنفسكم بمعرفتكم برؤية توبة ربكم عليها ، حتى توصّلكم معرفتها ومخالفتها إلى معرفة ربكم . « التوبة » هاهنا : محو أصول الخيال عند مبادئ المكاشفات ، وقتل النفس عند وجدان المشاهدات ، قربانا من البريّات لصفات الأزليّات . وأيضا فاقتلوا أنفسكم بالمجاهدات بعد معرفة النفوس بعين النكرة على حقيقة المعرفة ، حتى توصّلكم إلى عين الجمع ، وصرف الاتّحاد بلا رسومات البشرية . وقيل : فاقتلوا أنفسكم في طاعته ، ثم توبوا إليه من أفعالكم وأقوالكم وطاعتكم . قال ابن منصور : « التوبة » : محو البشرية بإثبات الإلهية ، وقتل النفس عمّا دون اللّه تعالى ، وعن اللّه حتى ترجع إلى أصل القديم ، ويبقى الحق كما لم يزل . وقيل : إذا كان أول قدم في العبودية التوبة ، وهو إتلاف النفس وقتلها ، بترك الشهوات وقطعها عن الملاذ ، فكيف الوصول إلى شيء من منازل الصدّيقين ، وفي أول قدم منها ، تلف المهج . وقيل : توبوا إلى بارئكم أي : ارجعوا إليه بأسراركم وقلوبكم ، واقتلوا أنفسكم بالتبري منها ؛ فإنها لا تصلح لبساط الأنس . وقال ابن منصور : ما شرع الحقّ إليه طريقا ؛ إلا وأوائله التلف .

--> ( 1 ) إشارة إلى القوى النفسانية والطبيعية العاصية ، كما دلّ عليه قول اللّه تعالى : إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ [ طه : 90 ] : أي بعبادة عجل الطبيعة الذي اتخذه سامري الهوى ، مع أنه لا بدّ من ذبحه كما قال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] ؛ وهي أمانات الأمر والنهي ، وأهلها القلب والقوى الروحانية ، وبوصولها إليها والحركة بالعمل بمقتضياتها ؛ ينكسر سورة النفس والطبيعة ، وتموت القوى الفاسدة الحاملة لموت القلب ، وحياة النفس .